كان لدي صديق من أيام الجامعة، يُحدثني دائما عن أحلامه وكيف سيصبح ثريا.. يستغرق في سرد التفاصيل وكأنه عاش الأمر بالفعل.. كيف سيقترض وكيف سيشتري العقارات ويعيد بيعها.. ويحدثني عن خاله الثري، هو متأثر به جدا ويريد أن يصبح مثله.. ولكن ذلك لم يحدث ولا يبدو أنه سيحدث قريبا! كانت تلك الحوارات منذ 8 سنوات، وحينها، كنت أعتقد أن لهذا الفتى مستقبل باهر فهو طموح لديه الكثير من الأحلام.. قابلت ذلك الصديق منذ أشهر قليلة وكان حاله سيء للغاية.. ولازال يحدثني عن خاله وعن أحلامه!
المشكلة أنه لم يخطو خطوة واحدة نحو هذه الأحلام .. هي مجرد أحلام والأ حلام لا تحتاج بذلا أو جهداً..
الأحلام أحيانا تكون نقمة على صاحبها.. قد يُدمن المرء على الأحلام ويستغرق في خيالاته وأوهامه ولا يستطيع الخروج منها إلى الواقع.. أحلام من اليقضة تصل بصاحبها أن يجعل لنفسه عالما خاصا منعزلا عن الواقع يكون فيه ما يشاء هو أن يكون.. يعيش نفس مشاعر الرضا والإنجاز والفخر الشبيهة بالواقع تماما..
يقال أن العقل اللاواعي لا يفرق بين الحقيقة والخيال لهذا فتلك الأحلام والخيالات هي حقيقية بالنسبة له.. وهذا ما يفسر أنه كلما إنغمس المرء في تلك الخيالات والأماني وأحلام اليقضة كلما قل عمله .. فهي ليست حافزا ولا دافعا للعمل.. فما الذي يجعلك تعمل لتحقيق شيء قد حققته بالفعل! على إفتراض أن العقل لا بفرق بين الحقيقة والخيال! فقد وصلت بالفعل وحصلت على نفس النشوة ! فلما العمل!
إن الإنسان يميل إلى الراحة والإقتصاد في كل شيئ.. قانون الإقتصاد في الطاقة يسري على الجميع.. الطريق الأقصر دائما هو الخيار الأنسب.. وأحلام اليقضة هي طريق سريع للإنبساط والنشوة والرضا عن الذات.. تلك المشاعر التي يمكن الحصول عليها بعد بذل الكثير من الجهد.. ولكن لعقولنا رأي آخر فلما التعب لمدة عشرات السنوات لأصير مليونيرا وأنا يمكنني أن أتكئ على أريكتي وأعيش ما أريد وأحصل على نفس المشاعر!
لا يمكنك أن تمنع نفسك من أحلام اليقضة ولكن يمكنك تحويلها لصالحك.. كلما أحسست أنك دخلت في ذلك العالم من الخيال والوهم وكلما أحسست بالنشوة ومشاعر الفخر الوهمية تتسلل إلى وجدانك توقف ووجه تفكيرك لمعيقات وعقبات قد تمنعك من تحقيق ذاك الحلم.. نعم فكر في الأمور السلبية ولكن بنظرة إيجابية بأن تبحث لها عن حل.. ذلك سيعيدك جزئيا إلى الواقع وسيجعلك متئهبا لما قد يعترضك في الطريق من مشكلات، فلا تتوقف عندها وتعود لعالمك الخيالي مرة أخرى.. إنما تتجاوزها مثلما تجاوزتها في أحلامك أو هكذا يبدو.. الطريقة الأخرى الأكثر كفائة هو أن تشغل نفسك بالعمل فلا يتبقى لك وقت لتعيش في الوهم.. وهو الأمر الأصعب..
يبدو أن لأحلام اليقضة تأثير سلبي على إحساس الانسان بالوقت.. ربما لأن نسق الأحلام في الذهن يكون سريعا.. انتقال سريع بين الأحداث ووصول في ثواني بسيطة.. وكسب الجائزة في رمشة عين -والجائزة هنا تلك المشاعر التي تحدثت عنها- لذلك تقدير الوقت عند الحالم لا يبدو واقعيا.. وينكسر مع أول عائق.. قد تجده يتوقف عن عمل شيء ما ليمر إلى الآخر بسرعة.. أو لا يفعل شيئا من الأساس..
في النهاية كلنا حالمون ولكن بنسب متفاوتة وهنا لا أتحدث عن أهداف نخطط لها ونبدأ في تنفيذها أو رؤى نريد تحقيقها على أرض الواقع .. إنما أتحدث عن أحلام اليقضة عن الوهم وعن العيش والإنغماس في عالم خيالي..
هناك أحلام تدفعنا للسعي وبذل الجهد والكد في سبيل تحقيقها تلك أعتربها رؤى.. وهناك أحلام أو لنسمعا أماني تجعلنا نتكئ على ظهورنا نتخيل أنفسنا أثرياء يتبعها شعور بالخمول وعدم الرغبة في فعل أي شيء.. أو قد تأتي على شكل حماس والمشي جيئة وذهابا وحركة مفرطة ثم إذا أتينا للعمل لا نعمل المطلوب.. أو قد نعمل ثم نصطدم بأول حائط قريب !
لنتوقف عن الأماني قليلا ونعمل..
شارك تعليقك